الأربعاء، 31 مارس، 2010

أبو البنات .. يحييكم

على الرغم من أننا معشر الصحفيين والكتاب ومن نعتبر أنفسنا ملوك القلم وسادته ( لاحظوا أنني متواضع جدا!) غالبا لا نقر بوجود مشاعر أو أفعال لا يمكننا ترجمتها إلى كلمات منثورة على صفحاتنا الخاوية .. إلا أننا نقف مشدوهين أمام بعض المواقف الإنسانية التي نعجز عن فك شيفرتها .. فنعلن استسلامنا عاجلا ونقر بأننا مجرد بشر عاديين لا نفرق على الآخرين بأي موهبة أو قدرة على إيصال ما في جوفنا ..
.
هذا الجمود هو بالضبط ما انتابني في 14 مارس الجاري ، حيث رزقنا الله بابنتين طال انتظارهما ، فوجدت نفسي دون مقدمات مثل "الأطرش في الزفة" أمام مشاعري التي عجزت عن وصفها ، رغم أنني قبلها بيوم واحد فقط كنت أعتقد أن الأمر سيكون عاديا ، لاسيما أنها ليست التجربة الأولى ، حيث ابنتنا المصون "كوثر" تبلغ من العمر اليوم ما يزيد عن السنوات الخمس.
.
سبحان الله .. أول كلمة طرأت على ذهني ، وشريط ذكريات عاجل مر في عقلي المتمرد على طاعتي، ولا أدري لماذا تذكرت الكثير من الأشياء في حياتي .. عدت طفلا .. وصرت مراهقا .. ثم تزوجت .. وتجاوزت مراحل الدراسة المتوسطة والثانوية والجامعية .. انتقلت بين أروقة العمل .. غصت في أعماق تعاملاتي مع الكثير من المسؤولين في الدولة .. تذكرت ضحكة هذا وبكاء ذاك وتذمر أولئك .. "كوكو" الصغيرة لأول مرة ألاحظ أنها بدأت تكبر بعد أن قارنتها بالصغيرتين .. فعلت كل ما يمكن فعله .. لكنني عجزت عن فهم شيء واحد .. هو شعوري وأنا أنظر إلى الطفلتين عقب دقائق من ولادتهما .. أسعد الله حياتهما واعانني على جعلهما من الذرية الصالحة ..
.
وبطبيعة الحال .. فإن دخول أبناء إلى حياة الرجل منا يغير الكثير فيها .. ليس فقط من حيث إشعاره بالمزيد من المسؤولية تجاه الحياة .. بل بتقبله صفات وأفعال لم يكن يرضى بها -كما كان يعتقد- قبل زواجه .. النهوض في أي وقت خلال 24 ساعة لشراء "الحفاظات" وإن كنت في عز النوم "عسل على قلبك" .. وضع ملعقة من الحليب على 60 مل من الماء الدافيء هواية أساسية .. حمل الطفل والضرب بخفة على ظهره بعد شربه الحليب متعة لا تضاهيها متعة .. نعم قد يستغرب الكثيرون من بعض هذه الأفعال لاعتقادهم أننا معشر الأزواج لا نملك أي مشاعر .. فهي حصرية للمرأة .. ولكنها الحقيقة المرة بالنسبة لهؤلاء :) فنحن بالنهاية بشر ولنا قلوب ومشاعر وأحاسيس ..
.
ولعل مما لم يكن مقبولا ولم يسبق إطلاقه علي مسبقا قبل زواجي هو لقب"أبو البنات" .. حيث لم أكن "مغازلجيا" يوما ما ( والحقيقة كانت تتم مغازلتي كثيرا لجمالي الأخاذ .. أخاف صج:P ) .. ولو تجرأ يوما وقالها لي أحدهم قبل سنوات لقلت له "استح على وجهك" .. أما اليوم فإن هذا اللقب أكثر ما يسعدني ..
.
وبمناسبة الحديث عن "أبو البنات" .. لا ادري لماذا لازال يتمسك البعض بأن الولد يحمل اسم أبيه وغيره من هذه الكلمات .. بل أن بعضهم يبارك لي ويردد "انشالله تخاويهم" .. أود أن أرد على بعضهم بالقول "خوا ينبك" .. لكن الأدب يمنعني .. ليس لأني أرفض أن أكون أبا لولد لا سمح الله .. ولكن لأني أعترض جدا على الإنقاص من قيمة الفتاة أو الابنة! ولله الحمد من قبل ومن بعد على منحي ما لم يمنحه لكثير من غيري .. وطبعا من يقل ذلك غالبا ما يكون من المواطنين .. أما الأخوة العرب فلهم رؤية مختلفة تختلف حسب البيئة والانتماء .. بعضهم لا علاقة مباشرة له بالمواليد! ومنهم ما قاله أحد الزملاء اللبنانيين "كيف جايينك بنات في 14 آذار ومسميهم زهراء وحوراء .. هذي أسماء تبعون 8 آذار " .. ثم ضحك دون ان استوعب أن أدخلني متاهات السياسة اللبنانية الداخلية .. أدامها الله !
.
أما لماذا لم أكتب هذا الموضوع في المدونة منذ ولادتهم .. فهو الكسل والانشغال .. وأما لماذا أكتبه اليوم .. فلأن زوجتي العزيزة ذكرتني قبل قليل بأنه عيد ميلادي !
.
أخبرتني بذلك فقلت آه كم مضت السنون مسرعة (حد يجري وراكي؟) .. ونظرت إلى المرآة فوجدت شعار مكدونالدز يحتل أعلى رأسي دون أن احاسبهم على هذه الدعاية المجانية المتحركة !
.
هذا وقد أعلنت الأمم المتحدة هذا اليوم مناسبة عالمية تمنح فيها المدارس والوزارات عطلة رسمية في كافة أنحاء العالم (هذه كذبة أبريل كما يسمونها) .. كما أعلن باسكن روبنز أنه لن يزيد نكهاته عن ال31 .. وقدم في هذا اليوم عرضا خاصا لم أدقق ما هو (وهذه حقيقة ههه) .. وتقبل التهاني والتبريكات بالمناسبتين السعيدتين في مدونتنا العامرة .. ونعتذر عن عدم قبول العانية والهدايا والعطايا :)
.
كما اتمنى أن أكون انسيتكم طول انقطاعي عن المدونة حتى تعذروني دون أن اعتذر عن إخلاف وعدي الإجباري :)
.
وتقبلوا وافر التحية والتقدير ;)
___
تنويه : لمن يسأل عن آخر المشاركات الخارجية لبلاتينيوم بوك للنشر والتوزيع التي تتولى إصدار وتوزيع كتبي المتواضعة .. فهي ستكون في معرض عجمان الدولي للكتاب الذي يقام خلال الفترة من 1 إلى 10 أبريل الجاري .. أسألكم التمنيات بالتوفيق :)

الاثنين، 1 مارس، 2010

زيارة الشيطان .. المحترم !

بين غفوة ونومة أمس .. زارني صديق الكثيرين العزيز وناصحهم المخلص السيد المحترم كما يصف نفسه .. الشيطان الرجيم . . والغريب في هذه الزيارة التي جاءت في توقيت حرج من حياة خالتي المجيدة (فذلكة!) .. أنها جاءت لدواع وطنية كما يدعي .. فهو الأمين الحريص على مصلحة وطني الكويت .. الذي لا يستحق أن يصيبه أي مكروه وفق رأيي وتمنياتي المتعصبة ! . المهم أن السيد الرجيم بادر فور زيارته إلى سؤالي"ها خلصتو أعيادكم الوطنية؟" .. فأجبته بخبث وتذاك كعادتي(ماشاء الله علي) أنك أيها الرجيم تعلم جيدا أن الأعياد الوطنية انتهت .. فأنت من فعل فعائله فيها .. وأنت من لونها بغير ألوان العلم الكويتي! . وليتهرب (الجبان) من موقفه الحرج .. أطلق ضحكة مدوية طويلة كادت أن تمتد إلى آخر الحلم .. صاحبها قفزات هستيرية ويد تمسك البطن و"حلج شقاقي" .. ثم تنهد وقال : نعم .. إنها حقا أيام جميلة ! . وحتى أبين أنني ثقيل طبعا .. سألته عن مناسبة زيارته وسؤاله عن المناسبات الوطنية .. فأجابني بكل دهاء "لماذا لا تقترح من مقامك الرفيع أن يلغى ما تسمونه عيد التحرير وتكتفون بالوطني في 25 فبراير .. فأنتم في جميع الأحوال تمتد أعيادكم لما بعد 26 فبراير .. وصدقني سأدعمك من خلال الوسوسة في أدمغة المسؤولين والمتنفذين بشكل لا تتصوره .. فقط قدم الاقتراح وسأدحرجه لك مثل كرة الثلج . . قلت له والحيرة بادية على محياي : أنت في الأصل أفرغت المناسبة من محتواها وشارع الخليج يشهد .. فلماذا تريد إلغاءها بالمرة ؟ . رد وقد بدا على وجهه علامات الاستعباط : عن أي مناسبة تتكلم ؟ أنا أطالب بالاحتفال رسميا في يوم واحد فقط وهو العيد الوطني .. وليس ليومين ! . اعتقدت لوهلة أنه تحول إلى الشيطان الغشيم بدل الرجيم .. فأوضحت له أن اليوم التالي خاص بالتحرير .. حيث تحررت بلدنا من براثن (أعلم أن كلمة براثن لم تمر على الكثير من القراء المراهقين ولكن اعذرونا فقد تربينا عليها! ) .. براثن الاحتلال العراقي .. بعد أن نكّل شعبنا واحتل أرضنا وفعل فينا ما لم يفعله الصهاينة بالفلسطينيين على مدى 62 عاما ! . تصاعدت نبرة الهبل في صوته البغيض فسألني : حقا ؟ وماذا حصل أيضا ؟ . أجبت لأؤدي واجبي لا أكثر فعددت شيئا يسيرا جدا من الحقائق قائلا : ماذا فعل ؟ سأخبرك باختصار ماذا فعل ؟ . - بين ليلة وضحاها طعن العراق غدرا جارته الصغيرة المسلمة المسالمة دولة الكويت دون أي سبب حقيقي أو مبرر فعلي . - دخل على الكويت خلال سويعات فقط أكثر من نصف مليون عراقي .. مدججين بالسلاح والدبابات والطائرات والمدفعية وغيرها .. علما بأن الشعب الكويتي بأكمله وبما فيه النساء والأطفال لم يتجاوز تعداده 700 ألف حينها ! - سحق الجنود المحتلون كل ما وجد أمامهم .. فرموا الأطفال الخدج بالمستشفيات على الأرض وقتلوهم .. وشردوا الأسر وهتكوا أعراض النساء في الشوارع وأمام أزواجهم .. كما قتلوا الأبناء والآباء والنساء .. فسقط خلال الاحتلال الذي امتد لقرابة 7 أشهر حوالي ألف شهيد وشهيدة .. وبالمقارنة مع طريقة النسبة والتناسب نجد ان هذا الرقم يعادل حوالي 300 ألف مواطن أمريكي .. و100 ألف مصري .. وعليك الحساب لمعرفة بقية الجنسيات أو معرفة كم واحد من عالم الشياطين يعادل ( هنا أطلق ابتسامة خبيثة وقال "لا ولدنا صدام ما يخون فينا" ثم تركني أكمل! ) . - أسر وارتهن آلاف الكويتيين من الشوارع .. والارتهان يعني أخذ المدنيين كما يعلم الجميع .. وبقي أكثر من 600 منهم مجهولي المصير حتى بعد سقوط النظام البعثي . - استخدم أبشع وأغرب أدوات التعذيب الجسدي والنفسي .. بل أنه ابتكر بعضها خصيصا ليجربها على الكويتيين ! - سرق الجنود كل شيء في الدولة .. بدءا من المطار ومرورا بالأندية الرياضية والجمعيات التعاونية والمدارس والوزارات والمجمعات التجارية والمحلات وغيرها .. وختامها طبعا في البيوت السكنية ! - آخر ما يفكر فيه الكويتي وقتها أمام طغيان الجنود هو كرامته .. فقد كانت تداس ولا تسوى فلسا عند الأشقاء العراقيين ! - سطر الكويتيون أروع ملاحم المقاومة والبطولة وتحركوا كما لا يطرأ على ذهن حتى استعادوا بلدهم . . أفهمت الآن لماذا نصر على الاحتفال والتذكير بالتحرير ؟ علما بأن ما ذكرته شيء يسير جدا مما حدث ! . سكت قليلا ثم قرر مصارحتي .. ففتح فاه فض فاه وغرّد : أتفق معك بكل ما ذكرته وأكثر .. فكل ما حصل وكامل التفاصيل البشعة وبلا فخر كانت بإشرافي الكامل وتحت متابعتي الشخصية .. ولكن دعني أسألك .. ماذا فعلت الدولة ليعرف العالم حقيقة ما حصل ؟ بل ماذا فعلت ليعرف أبناؤها ما حدث حقا ؟ هل تظن أن العديد من أبنائكم اليوم يدركون ما وقع ؟ ألا تعتقد أن أكثرهم يعامل الغزو مثل خساراة مبارة "بلاي ستيشن " ؟ ألا ترى الدولة متخاذلة في هذا الشأن ؟ يا عمي طير (واضح أنه شيطان مغبر ليستخدم هذه الكلمة! ) .. إذا كنتم بكل هذه الإمكانات لم تستطيعوا تأريخ وتوثيق ما حدث بصورة سليمة .. فكيف لو كنتم دولة أفريقية فقيرة ؟ أما إذا أردت مواصلة التذاكي وسؤالي عما يمكن عمله فأنصحك بالبحث في الصديق "جوجل" عن كلمة هولوكست باللغة الأجنبية .. وانظر ماذا فعلوا للتهويل وكسب تعاطف العالم وإبقاء الكرة الأرضية تدفع إلى اليوم تكاليف ما قد يكون لم يحصل أصلا ! . طبعا لأن غيرتي الوطنية لا تسمح لي بموافقته وإن كان في كلامه شيئا من الصحة ( ولا دخل هنا لأني أريد الاستيقاظ من النوم وكتابة ما حصل في المدونة! ) فإنني اعتبرت ما قاله من قبيل الوسوسة فقط لا أكثر .. فتعوذت منه بشدة حتى بدأت صورته تتلاشى .. ولكنه صرخ من بعيد قائلا " كانت غلطتكم أنكم وثقتم بجاركم واعتبرتم فكرة احتلال بلادكم ضربا من الجنون .. واليوم يبدو أنكم تكررون نفس الغلطة وتعتبرون بعض جيرانكم فقط يشكلون خطرا .. أما البقية فلا تثريب عليهم ولا يمكن أن ينقلب الحال معهم بين ليلة وضحاها " .. . إلى هنا وشعرت أن الموضوع "كبر أوي " .. فقررت أن أستيقظ (بكيفي اهو) دون أن أرد على تفاهاته .. فنحن الشعب الكويتي الأبي الذي لا تقهره الظروف ولا يمنعه شيء عن رش "الرغوة " في المناسبات الوطنية .. "شعباله هذا ؟ " هل يعتقد أننا قليلون في هذا العالم ! . تعوذت من الشيطان الرجيم .. وأرجو أن تتعوذوا منه جميعا ولا تتأثروا بكلامه لأنه كما يبدو أحد المستفيدين من كوبونات النفط العراقية التي كان يوزعها المقبور صدام حسين على المرتزقة ويترك شعبه يموت جوعا ! __ . ملاحظة : الاختصار الشديد للجرائم التي ارتكبها العراقيون جاء في سياق الاختصار الشديد للموضوع حتى لا يشعر القارئ الكريم بالملل .. وحتى لا يرتفع ضغطي أكثر .. ولأسباب أخرى ! __ تنويه خارج إطار الموضوع : للزملاء والأشقاء الذين يسألون عن كتبي المتواضعة في دول الخليج فإنها متوفرة حاليا في جناح بلاتينيوم بوك في معرضي مسقط وأبو ظبي للكتاب .. وقريبا في معرض البحرين في 17 مارس الجاري في ذات المكتبة .