الأحد، 23 مايو، 2010

العنف في الكويت

بعد أن كان الوالدان خير قدوة في الحوار الراقي
أمهات يتحولن إلى مدربات مصارعة .. وآباء يفتخرون بعنف أبنائهم في الديوانيات!
.
.
.
أحمد الحيدر:
. لم تكن الأم الكويتية قديما ، وحتى كبيرات السن منهن حاليا ، بحاجة للجوء إلى التوجيه أو النصح المباشر عند تربية أولادهن أو تثقيفهن ناحية عدم جدوى لغة العنف وتخلف وسيلة الضرب والمشاجرات في حل أي خلاف ، فقد كانت إحداهن تكتفي باتباع منهج حكيم يحرك مجرى الأسئلة في ذهن الطفل ويدفعه للاعتقاد الذاتي بسخف لجوئه للعنف ، وذلك رغم عدم تمتعتهن كما أمهات اليوم بقدر عال من التعليم النظامي ، إلا أن مدرسة الحياة كانت مناهجها أفضل بمراحل مما هي عليه اليوم . . على سبيل المثال ، كانت الأم تلجأ إلى أغنية بسيطة الكلمات واللحن وذات بعد ساخر بعد فض المشاجرات بين أبنائها تقول فيها " تهاوشو القطاوة .. على سبة حلاوة " ، ما يحفزهم على التفكير بسبب رؤية والدتهم لهذا العنف على أنه شيء "تافه" ولا يمثل حلا نموذجيا ، فيشبون على لغة حوار أرقى ومستوى أرفع من الأدب . . ولكن ، هل لازال الوالدان والأم تحديدا يلعبان ذات الدور التوعوي ؟ وإذا كانا كذلك لماذا إذن تنامت ظاهرة العنف في البلاد بين الأطفال والمراهقين إلى حد وصلت فيه إلى جرائم قتل متعمدة ؟ . الواقع يجيب أن الأوضاع تغيرت كثيرا ، فعدد غير قليل من الأمهات بتن يحثثن أبناءهم وبناتهن على اللجوء إلى العنف حتى ينالوا حقوقهم ، والتوجيه يبدأ من مرحلة رياض الأطفال ، فلم يعد أمرا طبيعيا لدى هؤلاء الأمهات أن يشترك طفلهن في "هوشة يهال " ، ولابد أن تؤهله ليرد الصاع صاعين بل ويبدأ المعركة إن لزم الأمر ، فتتحول إلى مدرب مصارعة وتطلب من فلذة كبدها إجادة كافة أنواع القتال ! . ولا يختلف الأمر كثيرا عند بعض الآباء ، بل يتعداه ليصل إلى مرحلة التفاخر بإنجازات ولده " الهواشية" العظيمة ، فيروي بطولاته أمام رواد الديوانية وكأنه يتحدث عن فتح القسطنطينية ! . ويشير أحد المدرسين العاملين في وزارة التربية بهذا الصدد أنه استدعى ولي أمر طالب اشترك في مشاجرة دامية في المدرسة ، فلما حضر الأب كان السؤال الأهم بالنسبة إليه هو "ولدي طق ولا انطق؟" ، ولما كان رد المدرس أن ولده اعتدى بالضرب المبرح على زميله ولذا تقرر فصله قال بكل تبجح "كفو والله ولدي .. أكيد هذاك غلط عليه وأدبه"! . ولا يبدو الأمر أفضل حالا في مدارس الفتيات من حيث انتشار ظاهرة العنف ، إلا أن الفارق الوحيد هو أن الكل يريد "الستر" وفق مفاهيم العادات والتقاليد ، فلا قضية يجب أن تسجل ولا إعلام يجب أن يعرف ، بل يجب أن يتم "طمطمة" كل شيء درء لتشويه السمعة ! . ولأن كل شيء في الكويت يمكن أن يحور إلى غير مغزاه ، فإن الكثير من الحقائق يتردد الباحث والمهتم في نشرها أو حتى الإشارة إليها ، فيفضل اتباع منهج النعامة (دفن الرأس في الرمال) على إطلاقها ومواجهة تهم العنصرية أو الطائفية أو الفئوية ، منها على سبيل المثال لا الحصر التطرق للفئة الأكثر وقوعا في المشاجرات بين فئات المجتمع أو تحديد ارتفاع نسبتها في مناطق معينة دون أخرى ، وهي كلها قد تفسر بأنك تقلل من شأن فئة ما أو تنتقدها دون وجه حق ، ولكن كيف السبيل إلى العلاج إذا لم نكن شفافين كفاية في التشخيص ؟ . نهاية ، لا يختلف اثنان على أهمية الدور التربوي في غرس قيم التهذيب والرقي في التعامل والحوار منذ الصغر ، إلا أن المعضلة تكمن في حقيقة أن "فاقد الشيء لا يعطيه " ، والمعضلة الأكبر إيمان البعض بأن هذه اللغة هي حقا من يجلب الحقوق في دولة القانون .. الكويت . __
نقلا عن "القبس"